Formation Continue

المناعة الفكرية في زمن التحولات الرقمية: أبرز محاور ندوة كرسي العلوم

ندوة علمية قراءة: ١٠ دقائق

المناعة الفكرية في زمن التحولات الرقمية: أبرز محاور ندوة كرسي العلوم

ندوة علمية نظّمها كرسي العلوم بالمعهد العالي للعلوم حول تعزيز الوعي الرقمي وبناء المناعة الفكرية في مواجهة تحديات البيئة الرقمية.


نظّم المعهد العالي للعلوم، عبر كرسي العلوم، ندوة علمية بعنوان «المناعة الفكرية في زمن التحولات الرقمية» مساء يوم الاثنين 6 جويلية 2026م (21 محرم 1448هـ)، بقاعة المحاضرات الرئيسية بالجزائر العاصمة. وامتدت الندوة على مدى ثلاث ساعات، وشكّلت منصة لحوار متعدد التخصصات حول تعزيز الوعي الرقمي (Digital Awareness) وبناء المناعة الفكرية التي تُمكّن الأفراد والمجتمعات من التعامل الواعي مع تحديات البيئة الرقمية، من التضليل الإعلامي وتأثير الخوارزميات إلى مخاطر الأمن السيبراني.

وحضر الندوة أكثر من 50 مشاركًا، وأطّرها نخبة من المتخصصين تناولوا الموضوع من زوايا فكرية وإعلامية وتقنية:

د. طه كوزي

المؤسس ورئيس مجلس إدارة المعهد العالي للعلوم.

أ. زين الدين بودقنة

متخصص في الأمن السيبراني ومؤسس شركة Cybears.

د. طه كوزي: البعد الفكري والتربوي للتحولات الرقمية

استهلّ د. طه كوزي مداخلته بسؤال فلسفي محوري حول العلاقة بين المعرفة والسلطة في العصر الرقمي: هل تُنتج الهيمنةُ المعرفةَ، أم أن المعرفة هي التي تمنح القدرة على الهيمنة؟ وأوضح أن هذا التساؤل يكتسب أهمية متجددة في ظل استمرار موقع المجتمعات العربية والإسلامية كمستهلك للتكنولوجيا أكثر من كونها منتِجة لها.

العلاقة بين المعرفة والهيمنة في التجربة الاستعمارية

بيّن المتحدث أن الهيمنة الاستعمارية التقليدية لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل سبقتها عملية معرفية قامت على الاستشراق والتبشير، واستعانت بمؤسسات التعليم والصحة والتجارة لفهم البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المستعمَرة. واستشهد بطرح المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه «الصراع الفكري في البلاد المستعمرة»، حيث ربط قدرة الاستعمار الفرنسي على التحكم في المجتمع الجزائري بامتلاكه معرفة دقيقة بخصائصه النفسية والاجتماعية.

من الهيمنة التقليدية إلى الهيمنة الرقمية

وأوضح أن أدوات الهيمنة تغيّرت في العصر الرقمي، مدفوعةً بجملة من التحولات:

  • تراجع المسافات الفكرية: تنتقل الأفكار والمحتويات بسرعة كبيرة عبر المنصات الرقمية، مما يعزز قدرة الفاعلين الرقميين على التأثير في الجمهور.
  • تحوّل وسائل التعبير: انتقلت الهيمنة من النصوص والرموز إلى الصورة والمحتوى المرئي الأكثر تأثيرًا في تشكيل الإدراك.
  • تشظّي الوعي الجمعي: أدى انتشار المحتوى القصير والسطحي إلى تغيّر أنماط الانتباه والإدراك لدى الأجيال الجديدة.

نحو بناء المناعة الرقمية

وأكد أن التعامل مع هذه التحولات يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية، داعيًا إلى بناء المناعة الرقمية عبر تعزيز الوعي الفكري والنقدي لدى الأفراد. كما شدّد على أهمية إعداد استراتيجية وطنية تشارك فيها المؤسسات الرسمية والأسرة والمدرسة ومراكز البحث ومؤسسات المجتمع المدني.

«بناء المناعة الرقمية عبر تعزيز الوعي الفكري والنقدي أكثر فاعلية من الاكتفاء بالمنع القانوني.»

د. ريما رويبي: البعد الإعلامي

افتتحت د. ريما رويبي مداخلتها الموسومة «المناعة الفكرية في البيئة الرقمية بين هندسة التضليل وسيادة الوعي» بالتأكيد أن التقنية لم تعد أداة محايدة، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في تشكيل المعرفة والوعي والسلوك، مستحضرةً مفاهيم حديثة مثل الحتمية الرقمية (Digital Determinism) والتخمة الإعلامية (Information Overload) والاستشراق الرقمي (Digital Orientalism) والديكتاتورية الرقمية.

من التقنية كأداة إلى التقنية كجزء من الكينونة

أوضحت أن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا شهدت تحولًا عميقًا، إذ أصبحت التقنية جزءًا من الحياة اليومية والهوية الشخصية. واستشهدت بدراسة ميدانية في إحدى المدارس الخاصة تمحورت فيها غالبية رسومات التلاميذ حول الهاتف الذكي، كما عرضت نتائج دراسة على طلبة المدرسة العليا للصحافة بالجزائر العاصمة:

75%

من الطلبة يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي بانتظام.

52%

أكّدوا صعوبة الاستغناء عنها في حياتهم الأكاديمية واليومية.

وهو ما يدل على تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى عنصر حاضر في الحياة الأكاديمية واليومية.

الديكتاتورية الرقمية وهندسة الوعي

وتناولت مفهوم الديكتاتورية الرقمية بوصفه تجليًا لتأثير المنصات في تشكيل الرأي العام عبر سياسات إدارة المحتوى والخوارزميات:

  • فرض وصاية على الرأي في الفضاء الرقمي: قد تحدّ سياسات بعض المنصات من انتشار آراء معينة أو تؤدي إلى حذف المحتوى، مما يثير تساؤلات حول حدود حرية التعبير.
  • الخوارزميات وفقاعة المعلومات: تقترح الخوارزميات محتوى يتوافق مع ميول المستخدم السابقة، ما قد يكوّن فقاعات رقمية مغلقة تحدّ من التعرض لوجهات النظر المختلفة.

التخمة المعلوماتية في ظل حرب السرديات

وأكدت أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة تتنافس فيها سرديات متعددة تُستخدم فيها الأخبار الكاذبة والمضللة للتأثير في الرأي العام، مستشهدةً بتقرير حول نشاط مجموعة «أرخميدس». وأوضحت أن كثافة المحتوى وسرعة انتشاره تجعل التمييز بين الصحيح والمضلل صعبًا، وقد يؤدي ذلك إلى حالة «ما بعد الحقيقة» التي تتراجع فيها مكانة الحقيقة الموضوعية أمام تأثير السرديات المتداولة.

سلطة البيانات والشعور المستمر بالرقابة

وبيّنت أن الشركات الرقمية الكبرى تجمع بيانات سلوك المستخدمين وتفضيلاتهم لتطوير خدماتها وزيادة التفاعل، كما تُوظَّف هذه البيانات لتحقيق مصالح اقتصادية عبر الإعلانات المدفوعة أو إتاحتها لطرف ثالث، مما يعزز الشعور بالعيش في بيئة رقمية خاضعة للمراقبة المستمرة.

بناء المناعة الفكرية في البيئة الرقمية

واختتمت بالتأكيد أن مواجهة تحديات العصر الرقمي تتطلب تعزيز الوعي الرقمي وتنمية القدرة على التحقق من صحة المعلومات، ودعم منصات تدقيق المعلومات، وتطوير تشريعات تنظّم عمل الشركات الرقمية الكبرى بما يضمن توظيف التقنية في خدمة الإنسان وحماية وعيه.

أ. زين الدين بودقنة: البعد التقني والخوارزمي

تناول الأستاذ زين الدين بودقنة المناعة الرقمية من زاوية الشركات التقنية، مركّزًا على محورين: تأثير الخوارزميات في توجيه سلوك المستخدمين، وتحديات الأمن السيبراني ومواجهة الهجمات الإلكترونية. وأوضح أن نموذج عمل المنصات يقوم على جذب الانتباه وإطالة مدة البقاء داخل التطبيقات، في ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، مستفيدًا من أبحاث علم الأعصاب والاقتصاد السلوكي وعلم النفس.

أبرز آليات التحكم في المستخدم

  • خوارزمية التوصية: تقترح محتوى مشابهًا باستمرار اعتمادًا على اهتمامات المستخدم وسجل مشاهداته.
  • التمرير اللانهائي: انتقال مستمر بين المنشورات دون نقطة توقف طبيعية، ما قد يؤدي إلى تعرّض مفرط للمحتوى.
  • نظام التنبيهات: إشعارات وألوان وأصوات مصمَّمة لجذب الانتباه ودفع المستخدم إلى العودة المتكررة للتطبيق.
  • التفاعل غير المتوقع: يدفع المستخدم إلى متابعة الإعجابات والتعليقات والمشاركات بشكل مستمر.
  • توسيع التفاعل: تعزيز انتشار المحتوى الأعلى تفاعلًا، مما يزيد تأثيره في الرأي العام.

الآثار السلبية للتلاعب بالانتباه

ونبّه إلى أن الإفراط في استخدام التقنيات الرقمية قد يؤثر في بعض المهارات الحياتية والمهنية، مثل القدرة على إنجاز المهام دون اعتماد مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، كما ينعكس التعرض المستمر للمحتوى على أنماط التركيز والانتباه لدى الأفراد.

الهجمات السيبرانية وتحديات الأمن الرقمي

وأشار إلى تزايد الهجمات السيبرانية عالميًا، ما يجعل الأمن السيبراني من أبرز تحديات الحكومات والمؤسسات والشركات. ونوّه بجهود الجزائر في تعزيز الأمن الرقمي عبر إنشاء وكالة أمن أنظمة المعلومات وتطوير التشريعات ذات الصلة. وأوضح أن التصيّد الاحتيالي (Phishing) من أكثر أساليب الهجوم شيوعًا لاعتماده على الهندسة الاجتماعية لخداع المستخدمين، وأن برمجيات الفدية (Ransomware) من أبرز التهديدات التي تشفّر بيانات الضحايا وتطالبهم بفدية لاستعادتها.

الأمن السيبراني في عصر الذكاء الاصطناعي

وأكد أن الذكاء الاصطناعي سيف ذو حدّين: فهو يسهم في تطوير أدوات الحماية، لكنه في الوقت نفسه يمنح المهاجمين إمكانات جديدة لتطوير أساليب الهجوم والتصيّد. كما تناول مفهوم الذكاء الاصطناعي الظلّي (Shadow AI) — أي استخدام الموظفين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل دون ضوابط مؤسسية واضحة — وما قد يسببه من تسرّب للبيانات الحساسة، رابطًا ذلك بتحديات حماية البيانات والسيادة الرقمية.

الحدّ من مخاطر الهجمات السيبرانية

واختتم بالتأكيد أن الحدّ من هذه المخاطر يتطلب بناء منظومة متكاملة تقوم على ثلاثية People, Process, Technology: تطوير العنصر البشري، وتحسين الإجراءات التنظيمية، وتعزيز البنية التحتية التكنولوجية، باعتبارها أساس تحقيق حماية رقمية فعّالة داخل المؤسسات.

الفقرة النقاشية

وشهدت الندوة فقرة تفاعلية ناقش خلالها الحضور الثقافة الرقمية، وتأثير المنصات في تشكيل الوعي، وتحديات الأمن السيبراني، واستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي. وأكد د. طه كوزي أن العالم الرقمي يوفّر فرصًا معرفية مهمة، لكنه قد يسهم في انتشار الأفكار الشعبوية والعنف الرقمي بفعل خوارزميات التفاعل، داعيًا إلى تعزيز المناعة الفكرية. وأوضحت د. ريما رويبي أن سياسات إدارة المحتوى تؤثر في طبيعة الخطاب المتداول، مشددةً على أهمية الثقافة الإعلامية وآليات التحقق. أما أ. زين الدين بودقنة فأكد على قوة الشركات الرقمية الكبرى وقدرتها التقنية على تجاوز محاولات التقييد، داعيًا إلى تعاون دولي لتطوير بدائل رقمية وتنظيم الاستخدام الفردي لوسائل التواصل الاجتماعي.

خلاصة

شكّلت ندوة كرسي العلوم مساحة فكرية جمعت المقاربات الفلسفية والإعلامية والتقنية حول سؤال واحد: كيف نبني مناعةً فكريةً تُمكّننا من استثمار الفرص الرقمية دون الوقوع في مخاطرها؟ وأجمع المتحدثون على أن الوعي النقدي والتربية الرقمية والتعاون بين المؤسسات هي المفاتيح الأساسية لبناء مجتمع قادر على التعامل الواعي مع تحديات البيئة الرقمية المعاصرة.

المناعة الفكرية التحول الرقمي الأمن السيبراني الذكاء الاصطناعي الوعي الرقمي كرسي العلوم

Faculté des Mathématiques & Informatique

Système : LMD

Durée : 3ans

Langue : 

Présentiel :

Conditions : 

En savoir plus