Formation Continue

كرسي العلوم: كلمة افتتاحية

كلمة للافتتاح وتصلح شاهدة لنا أو علينا عند الختام

د. طه كوزي

أوصاني والدي رحمه الله، حين كنت ابن 16 الستة عشر ربيعا، بالتتلمذ بين يدي عالم ضرير كفيف فاقد للبصر لكنه كان متقد البصيرة، وقد كنتُ ألازمه في “مكتبة الاستقامة” عند كل عصر إلى ساعة العشاء، وقد حباه الله ملكاتٍ ومهارات وقُدُرات لم يهبها لكثير من الـمُبصِرين…

أذكر جيدا كيف استلّه المرض العضال من بيننا، وكيف تضاءلت فرص اللقاء والاجتماع به إلى أن وجدتُه ذات يوم عند مدخل بيته لا يقوى على الوقوف فكيف بالوصول إلى مكتبته لشدة المرض والألم والحمى…

بعد أيام قليلة اختاره الله لجواره، وإنني أذكر إلى اليوم أنني وأنا ابن سبع عشرة ربيعا، حينها، لم أستطع مرافقة جثمانه إلى مأواه الأخير لشدة ما اعتصرني من لوعة الحزن ونار الفراق…

اعتقدتُ بعد أيام أنني تجاوزتُ آلام الفقد والوجد، ويمَّمْتُ شطر المكتبة لعلي أخفف عن نفسي، وأواصل المسير في المطالعة والاطلاع، لكنني وجدتُ تلك المكتبة على غير المعتاد أرضا غير الأرض، وسماء غير السماء، وأفقا غير الأفق، وجدتُها عالما مليئا بالكآبة والعُبوس، وكنتُ بين الفينة والأخرى أتأمل ذلك “الكرسي” الذي كان يتربَّع عليه ذاك الرجل الضرير بحِلمه قبل علمه، وبحكمته قبل معارفه، ذلك “الكرسي الأخضر” الذي تعلوه زربيةٌ تقليدية مزركشة؛ فتخنقني الدمعة والعبرة بين الفينة والأخرى…

وكنت أعاين المكان وأفتشه بعيناي لعلّي أجد ريح شيخي وأستاذي، ولم أستطع حينها أن أركز في قراءة فقرة أو صفحة، وكلما دق علينا الباب طارقٌ عاد إليّ الأمل لعل الطارق والقادم أستاذي، لكن سرعان ما تحاصرني الحقيقة والواقعة بسطوتها: لقد رحل الأستاذ ولن يعود، ولم يبق من الكرسي الأخضر إلا أحطابه ومساميره المعدنية البُنّية العتيقة المسمّرة…

باختصار لقد كانت المرارة قاسية لأتقبّل أنني صرتُ سريعا “يتيم المعلم”، “يتيم المربي”، إنه اليتم الفكري واليُتْم التربوي الذي ترك الكثير من القلوب شاغرة فارغة فراغ فؤاد أم موسى… ولا أنسى كلمات أحد العارفين والمجرِّبين في لحظة تعزيته في فقده لوالدته: بمجرد رحيلها ووفاتها حين قال لي: «صرتُ أعيش رُهابا من الحياة بعد وفاة أمي، لقد كانت لي أمان الطريق وزاده بدعائها، وقد تركتني اليوم كعصفور مبلول في لحظة قر وشتاء…».

لا ريب أن مجتمعنا الجزائري اليوم بكل أطيافه وأصنافه، وفي أزقته وشوارعه يعيش يُتما فكريا وتربويا ثقيلا على النفس، مستثقلا على القلب، فهو كالطفل ساعة فقده لأمه أو أبيه يبحث عن نقطة مرجعية هادئة دافئة آمنة في زمن التيه والغربة، وخيانة المبادئ، وفي عصر السيولة والزئبقية الفكرية والذهنية.

“كرسي العلوم” اليوم أشبه ما يكون بكرسي الشيخ الكفيف الضرير الحكيم، فهو اليوم يترشح، في وطننا الجزائر، مأوى وملجأ لكل مُفكر مهموم، وباحث مأزوم، ومُحب لوطنه وأمته عاشق مستهام محموم…

إن “كرسي العلوم” حلقة فكر دافئة يستجمع فيها كل غيور أفكاره، ومعنوياته ليسلُك طريق التجديد والتشييد لوطنه وأمته رغم كل ما يتلبّد في الأفق من رعود، ووعود، وسدود… وسيكون “لكرسي العلوم” دراسة وتحليل علمي لكل مستجد وتحدٍّ…

إن الجزائر اليوم أمام تحديات مركبة متقاطعة وأمامها اختبارات وتحولات متأزمة متلونة من جنس: “المناعة الفكرية” في زمن التحولات الرقمية والإلكترونية، وتتحمل اليوم أعباء العودة إلى التصنيع ونفخ الروح في العمل الفني والمهارة التقنية، ويؤرقها تحدي العبور الآمن إلى توازن لغوي من لسان عربي مبين، وذاكرة أمازيغية أصيلة، لغات كونية ديناميكية… ولا ننسى أننا نسلك هذه التحديات وجزائرنا متمسكة بالسيادة والحرمة الدبلوماسية في “نظام كوني” لا يقبل ولا يعترف بالحرُمات والسيادة؛ مهما كن نوعها وجنسها: فكرية أو سياسية أو طاقوية أو أمنية، فيستعدي كل سيد سواء أكان موقعه في الشرق أو في الغرب…

أتوقف عند هذا الحد في سرد التحديات والأزمات لأقول بلسان صريح: إنه لا يحق لنا أن نقول ما قاله المفكر “مالك بن نبي” يوما، وأستسمحه إذ إننا نخالفه الرأي والموقف والمقولة؛ حين ركب الباخرة مغادرا وطنه الجزائر؛ وهو يقول: «يا أرضا عقوقا تطعمين الأجنبي، وتتركين أبناءك جوعى…».

وإنني أقول للمفكر مالك بن نبي رحمه الله، ذاك العقل الفذّ الذي تعلمنا وتتلمذنا على يده معالم التفكير والتحليل الحضاري: «نستسمحك عذرا أننا نخالفك الرأي، ولنقول للجميع في لحظة افتتاح “كرسي العلوم”: إننا لن نركب الباخرة عجزا وهروبا ما استطعنا، وإننا سنواصل الطريق من بعدك: وسنطعم الجائع والقانع والمعتر من أبناء وطننا لنقتسم معا بعض تمرنا ورغيفنا وخبزنا، وسنرْبت على كتف اليتيم، ونأخذ بيد المتتلمذ من أبناء أمتنا، وسنكون شوكا في حلق وأحشاء كل عدو متربص وسفيه متآمر يحلم باستعبادنا من جديد…».

ومن باب الصدق أفضي إليكم أخواتي وإخواني، ومن واجب ما استأمنتموني فإنني أصارحكم أن “كرسي العلوم” طريقٌ قلّ سالكوها، فهي درب موحشة لكنها في الختام والعاقبة مخضرة مثمرة زاهية، وإنه لا يصبر على ألوائها، وامتحاناتها، وابتلاءاتها مَنْ تعلّق قلبُه بالعباد والأشخاص حبا ورفضا، ومن طلب التصفيق والنياشين والتيجان وارتضاها صيغة وشرطا، فإن أولئك لا ريب سيتوقفون عند أول انعطاف، وأقرب شدة وانحسار… فإنّ من أراد الوصول والبلوغ في هذه الطريق عليه أن يتنزه من الارتباط بغير الله: أنيسا ورفيقا ومؤنسا….

“كرسي العلوم” اليوم ساحة للتفكير والتقدير، ودعوة لي ولكم؛ عنوانها: لا تتركوا الناس يتامى، ولا تدعوهم حيارى، بل كونوا لهم قدوة حسنة يكونوا لكم سندا، وكونوا لهم معْلما ومعلّما صادقا يكونوا للوطن مدَدا وحِرابا حصنا وأسْدا…

إنه باختصار كرسي العلوم

صوت الضمير في زمن الخوارزميات …

الجزائر: 05 ذو القعدة 1446 الموافق لـــ: 03 ماي 2025 

طه كوزي

Inscrivez-vous

Faculté des Mathématiques & Informatique

Système : LMD

Durée : 3ans

Langue : 

Présentiel :

Conditions : 

En savoir plus